• حقائق قرآنية عن سنن التاريخ

    حقائق قرآنية عن سنن التاريخ

    الحقيقية الأولى:

    سنة التاريخ لا تتخلف في الحالات الاعتيادية التي تجرى فيها الطبيعة والكون على السنن العامة فهي ليست عشوائية قائمة على أساس الصدفة والاتفاق.

    ومن هنا استهدف القرآن الكريم من خلال التأكيد على هذه الحقيقة التأكيد على الطابع العلمي لهذه السنة بغية خلق شعور واع لدى الإنسان المسلم، يمكنه من تتبع أحداث التاريخ في جريانها بصورة واعية بعيداً عن العشوائية والسذاجة والاستسلام { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} … (الأحزاب: من الآية62) { وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} … (الإسراء: من الآية77) { وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } … (الأنعام: من الآية34) هذه النصوص القرآنية التي تقدم استعراضها تؤكد على طابع الاستمرارية للسنة التاريخية ويستنكر القرآن أن يكون هناك تفكير أو طمع لدى جماعة من الجماعات بأن تكون مستثناة من سنة التاريخ كما جاء في قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .... (البقرة:214) .

    الحقيقة الثانية:

    ربانية السنة التاريخية وارتباطها بالله سبحانه وتعالى بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ هو قرار رباني وهذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانية السنة التاريخية وعلى طابعها الغيبي ويستهدف ربط الإنسان حينما ينظر إلى التاريخ والكون بالله سبحانه وتعالى، وأشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية، والاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكم في هذه الساحات، ليس انعزالاً عن الله سبحانه لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن، فهي إرادة الله، وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.

    وهذا يختلف تماماً عن التفسير اللاهوتي للتاريخ وحاصل الفرق هو أن الاتجاه اللاهوتي للتفسير الإلهي للتاريخ يتناول الحادثة نفسها ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه قاطعاً صلتها مع بقية الحوادث التي تزخر بها الساحة التاريخية والتي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، فهو لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية، بل أنه يربط السنة التاريخية بالله ويربط أوجه العلاقات والارتباطات، فهو يقرر أولاً وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية إلا أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى وحسن تقديره.

    وبالمثال يتضح المقال فنقول: قد يأتي إنسان ويفسر ظاهرة المطر التي هي ظاهرة طبيعية فيقول: بأن المطر نزل بإرادة من الله سبحانه، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر فكأن المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب، وإنما هي حادثة مفردة ترتبط مباشرة بالله بمعزل عن تيار الحوادث، وهذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر، لكن إذا جاء شخص وقال بأن ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وأنها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلاً فالماء يتبخر فيتحول إلى بخار والبخار يتصاعد سحاباً والسحاب يتحول بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر، إلا أن هذا التسلسل السببي المتقن وهذه العلاقات المتشابكة بين هذه الظواهر الطبيعية هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي والتفسير الموضوعي لظاهرة المطر.

    إذاً القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية فهو يريد أن يؤكد أن هذه السنن ليست خارجة عن قدرة الله سبحانه وإنما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لهذه القدرة، فهي حكمته في الكون لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى الله ، لكي تبقى الصلة وثيقة بين العلم والإيمان.

    وقد جاء في القرآن الكريم :{ َ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} … (آل عمران: من الآية124 :126).

    فهذا إمداد إلهي غيبي ولكنه شُرط بسنة التاريخ شُرط بقوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا } … (آل عمران: من الآية125).

    الحقيقة الثالثة:

    الحقيقة الثالثة التي أكد عليها القرآن الكريم هي حقيقة اختيار الإنسان وأرادته ولقد خلق البحث في سنن التاريخ وهماً عند كثير من المفكرين أن هناك تعارضاً وتناقضاً بين حرية الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ، فإما أن نقول بأن للتاريخ سننه وقوانينه وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وحريته وإما أن نسلم بأن الإنسان حر مريد مختار وبهذا يجب أن نلغي سنن التاريخ وقوانينه ونقول بأن هذه الساحة التاريخية قد أعفيت من القوانين التي تحكم بقية ساحات الكون.

    وهذا الوهم وهم التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون التاريخي وبين فكرة اختيار الإنسان وحريته أزاحه القرآن ببيان شاف واف كافٍ، فقد أكد سبحانه وتعالى على أن المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنما هو إرادة الإنسان فقد قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } … (الرعد: من الآية11)

    { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} … (الجـن:16)

    { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً} … (الكهف:59)

    فالسنن التاريخية لا تجرى من فوق رأس الإنسان بل تجري من تحت يده، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إذا فهناك مواقف إيجابية للإنسان تمثل حريته واختياره وتصميمه، فاختيار الإنسان له موضوعه الرئيسي في الساحة التاريخية، والنظرة القرآنية لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي ولا تعطل فيه أرادته وحريته واختياره، وإنما تؤكد أكثر فأكثر مسئوليته على الساحة التاريخية.

     

       الإسلامالقرآن والتفسير

       IslamQT.Com  

    =================

    فضيلة الشيخ / محمد قنديل.

    نقلا عن موقع طريق القرآن.

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 1093
    » بازدید دیروز: 390
    » افراد آنلاین: 4
    » بازدید کل: 3068