• التفسير التربوي لسورة هود

    التفسير التربوي لسورة هود

    بدأت سورة هود كما بدأت سور كثيرة بالحديث عن القرآن الكريم: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" (1).

           
    ولا غرو فالكتاب العظيم قاعدة الإسلام، وبرهان رسالته، وسر خلوده، وقد تلقاه الرسول ليبلِّغه إلى الناس كافة فيخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن العوج إلى الاستقامة، فالتشبث بالله وحده أساس النجاة: "ألاّ تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير" (2).

           
    ويظهر أن عبء البلاغ شديد، أحسّ الرسول معه بالمعاناة، فقد جاء في السنة: قال أبو بكر: سألت رسول الله (ص) ـ: ما شيبَّك؟ قال: شيبتني هود وأخواتها..!!.

           
    هل تنكُّر الناس للرسول وإشاحتهم عنه معرضين هو الذي شيبه؟ فقد جاء في هذه السورة: "ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرُّون وما يعلنون، إنه عليم بذات الصدور" (5).

           
    وقد استبعدت هذا السبب، فإن الرسول أكبر من أن يهتزّ لصدود الجهلة!. إذن ما السبب؟ إن هناك شيئاً لاحظته في هذه السورة لم ألحظه في غيرها:

           
    كثرة التوجيهات التي تمس شخص الرسول، وتتناوله بضمير الخطاب المفرد بين الفينة والفينة، كأنما تشعره بما هو مكلف به من بلاغ.

           
    وذلك بدءاً من قوله تعالى له: "لعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل" (12) في هذه الآية وحدها خطاب تكرر الضمير فيه ثلاث مرات متصلاً، ومرة واحدة منفصلاً..

           
    وظل الأمر كذلك يتكرر على هذا النسق عشرات المرات حتى آخر آية في السورة: "ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون" (123).

           
    عقب قصة نوح مع قومه، وبعد هلاكهم بالطوفان جاءت هذه الآية خطاباً للرسول الكريم: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين" (49).

           
    ثلاثة ضمائر متصلة غير الضمير المنفصل، تتجه كلها إلى النبي (ص) وينضم إليها في النهاية أمر بالصبر، والعاقبة للتقوى!.

           
    وفي أثناء القصة نفسها يتوقف السرد الدافق لتجئ هذه الآية: "أم يقولون افتراه؟ قل إن افتريته فعلىَّ إجرامي، وأنا برئ مما تجرمون" (35).

           
    وحاشاه أن يفترى! إنه الصادق الأمين، وسيبقى إلى جانب الصدق حتى يكشف القدر عن أهدى الفريقين...

           
    ويحكى القرآن الكريم قصة عاد وكيف تحدّثْ هوداً وآذتْه، ثم يقول رب العالمين: "ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ" (58) ويتجه الخطاب بعدئذ إلى رسول الله: "وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعَصَوا رُسُلَهُ واتبعوا أمر كل جبار عَنيد" (99).

           
    وما حدث لعاد حدث مثله لثمود، واتجه الخطاب لرسول الله (ص) يلفته إلى هذا المصير، في قوله تعالى: "فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزى يومئذ... إن ربك هو القوى العزيز" (66).

           
    وبعد ما حلّ بقوم لوطٍ من دماءٍ زلزل مدينتهم بلغ الله نبيه هذا المصير بقوله: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد" (82ـ83) والجملة الأخيرة تهديد للعرب الذين يمضون في طريق الغواية دون متاب.

           
    وبعد هلاك مدين والفراعنة يقول الله لنبيه: "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد" (100) وتتكاثر ضمائر الخطاب في أواخر السورة تكاثراً مثيراً حتى لتبلغ ثمانية عشر ضميراً، عدا الأوامر المصاحبة الكثيرة فما تظن وقع ذلك على فؤاد صاحب الرسالة؟!.

           
    ثم يقول الله له: "فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء..." (109) ويذكره بقضائه السابق أن يرجئ مجازاة الناس كلهم إلى يوم موعود: "ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بيْنهم" (110) وإلى أن يقع هذا اليوم الجامع فعلى صاحب الرسالة أن يصدع بما يؤمر، وأن يتحمل آلام الاختبار وطول الانتظار، وعلى من معه أن يتأسَّوْا به في هذا الصبر الطويل "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك" (112)، "وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين" (114).

           
    وتتكرر ضمائر الخطاب كلما قاربت السورة الانتهاء، وتدبر قول الله لرسوله: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (117ـ119).

           
    ألا يفسِّر هذا قول الرسول الكريم "شيبتني هود وأخواتها"؟.

           
    إن المعاصي التي تهلك الأمم هي التي تستقر في النفس ولا تعبرها! تستقر فيها لتكون جزءاً منها، ولتكون بعدئذ جزءاً من المجتمع الكبير، لعلها تتحول إلى تقليد متّبع أو إلى تشريع قائم، فيكون البعد عنها مستغرباً والنهي عنها جريمة!!.

           
    إن الوعد المبذول للتائبين على عجل هو "مستوى معيشة حسن"!! والنفس تحب العيش الرَّغْدَ، ومع أن الحياة الدنيا دار ابتلاء، والابتلاء يقتحم النفوس بالمزعجات، إلا أن الله يطمئن عباده بأنه سوف يريحهم ويصلح بالهم إذا آمنوا به وأسلموا له وجوههم!.

           
    وهذه العِدَةُ المبذولة لنا بذلت من قبلنا لعاد عندما لهم أخوهم هود: "ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين. قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين" (52ـ53).

           
    والذي يسمع هذه الإجابة يحسب القوم أهل حوار عقليٍّ، وأنهم إذا شُرح لهم الدليل تبعوا الدليل!.

           
    ويشعر المرء بالروْع من مناشدة نوح لربه أن يردّ إليه أبنه الذي طاح: "ونادى نوح ربه فقال ربّ إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين" (45).

           
    كأنه يقول لله لقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، وابني أول أهلي فرُدَّه إليّ!! فكانت الإجابة الصارمة: "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين" (46).

           
    وقد تبادر إلى بعض الأذهان أن امرأة نوح غشّت رجلها وخانته وأتت بهذا الابن لغير رشدهِ وأدخلته في نسب نوح وهو لا يدري!!.

           
    وهذا رأى بعيد، وهو غضاضة يصون الله أنبياءه منها.

           
    والصحيح أن امرأة نوح خانته بانضمامها إلى أهلها في استهجان نبوة نوح وتكذيب رسالته، فكانت بهذا الموقف من حزب الكافرين، وكان ابنها يؤيد موقفها ويظاهر أعداء الله ويتلمس النجاة من الطوفان بالهرب إلى رأس جبل.

           
    وكان جواب نوح: "قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم مما معك" (47ـ48).

           
    ودين الله على امتداد النبوات واختلافها، من عهد نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد يؤخر نسب الدم ويقدم نسب الإيمان، ويجعل الحب والبغض في الله أساس التواصل أو التقاطع...

           
    وندع قوم نوح إلى قوم هود الذين رفضوا نبيهم ونفروا منه أشد نفور، إنه لما رأى نفسه وحيداً أمام أناس مكابرين معاندين قال: "إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" (56).

           
    أما هود والمؤمنون معه فكان لهم شأن آخر: "ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من عذاب غليظ" (58).

           
    وختمت القصة الكئيبة بهذا التعقيب: "وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة يوم القيامة ألا إن عاداً كفروا ربهم، ألا بعدا لعاد قوم هود... " (59ـ60).

           
    إن الأقوياء الفجرة عندما تحقُّ عليهم كلمة الله يصبحون أهون من الذرّ! ما تغني عنهم قواهم شيئاً أمام من بيده ملكوت السموات والأرض.

           
    وفي سورة هود اتَّسَم الخطاب الموجَّه إلى قوم شعيب بمحاربة الغش في المعاملات الاقتصادية بعد محاربة الإشراك بالله: "وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط. ويا قوم أوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين..." (84ـ85).

           
    وكان رد مدين على نبيِّها مزيجا من السخرية والتهكم: "قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ إنك لأنت الحليم الرشيد" (87).

           
    وهكذا رفضوا عقيدة التوحيد وأخلاق الصلاح والعفة والعدالة.

           
    فلما بقى النبي الصالح في ميدان الخير يأمر وينهى قيل له: "... وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز" (91).

           
    وانتهت القصة بهلاك الفَسَدَة الغاشّين كما هلك من قبلُ غيرهم: "ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود" (95).

           
    وأهلك الله الفراعنة إذ قال لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "وكُلاًّ نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق موعظة وذكرى للمؤمنين" (120).

           
    إن سورة هود فصلت أحوال الأمم مع رسلها ليعلم صاحب الرسالة الخاتمة أنه لا جديد في تكذيب قريش له، فالصراع بين الحق والباطل أزليّ لا فكاك منه، ولكن النتائج الحاسمة تنصف المؤمنين وتعزّ المتقين.

           
    إن خلق جنين واحد شئ كبير، وأكبر منه إرسال الغذاء إليه لينمو حتى يبلغ أشدّه، أهو جنين واحد؟ إن عالم الحيوان والنبات فوق الحصر "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين" (6).

           
    خير لك أن تعرف لماذا وجدت، وأن تحقق الحكمة من وجودك، فهذا أولى بك: "وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا.." (7).

           
    فلأحسنْ عملي، ولأصقلْ عقلي، ولأُزكِّ نفسي، ولأحقق ثمرة وجودي، فهذا أولى وأجدى عليّ.

           
    إن هذه الدنيا طريق إلى أخرى أهمّ وأبقى ـ وإن جهل كثيرون ـ: "ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" (7).

           
    إن الجهلة يستعجلون هذا العذاب: تكذيبا له أو استهانة به! أفلا يؤمنون به إلا إذا لذع جلودهم؟ فما قيمة الإيمان به بعد وقوعه؟ "ولئن أخَّرْنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولنّ: ما يحبسه؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" (8).

           
    مصيبة الإنسان أنه عبد لحظته الحاضرة، وساعته العاجلة، وأنه عندما يستنجد بربه لضرٍّ أصابه لا يكاد يستقبل النجدة المرسلة حتى ينسى ما كان، ويجحد يَدَ الرحمن "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور. ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير" (9ـ11).

           
    البشر محتاجون إلى كتاب يعرِّفُهم من أين جاءوا وإلى أين يصيرون؟؟.

           
    إن محمداً كان يسير بين الناس مؤيداً بهذا البرهان الإلهي الحاسم، ومن قبل هذا البرهان كانت نبوءات الكتب الأولى تشهد له، فَمَنْ أرسخ منه قدما؟ "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهدٌ منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مِرْيَةٍ منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" (17).

           
    ثم إن الكبار لا يكذبون على الناس فكيف يكذبون على الله؟ وهل كذبٌ أن يقال: إن الله واحد، وإن لقاءه حتم، وإن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم؟! فأين يكون الصدق؟.

           
    كان هذا المهاد سابقاً لتأريخ الأمم التي عُرض عليها الدين فكفرت به، لقد هلكت أمة بعد أخرى، وآثارها بواقٍ تدلّ عليها، ومنها ما حُصِد فلم يبق له وسم ولا رسم..

           
    لم هذا المصير الأشأم؟ أما كان هناك أهل فكر واعتبار ينذرون ويحذرون "فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (116ـ117).

           
    على هذا النهج اللاجب سار محمد يدعو الأولين والآخرين، بيد أن الناس كانوا ـ وما يزالون ـ منقسمين على أنفسهم لا تجمعهم راية الحق.

           
    ما أكثر المشارب والمذاهب التي تفرق بينهم، وتجعل لكل واحد وجهة يرتضيها.

           
    كان ربك قديراً أن يجعلهم غير ذلك، ولكن شاءت حكمته أن يدعهم وشأنهم "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" (118) وهنا رأس آية! كأن الاختلاف سنة طبيعية في التكوين البشريّ، ثم قال: "... إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (119).

           
    كان ربنا يستطيع أن يخلقنا ملائكة لا تستطيع العصيان، أو حيوانات معزولة عن التكليف، ولكنه جعلنا بشراً مختارين، نستطيع الهبوط إلى سجِّين، أو الصعود إلى علِّيين.

    الإسلامالقرآن والتفسير

    IslamQT.Com

    ==============

     

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 99
    » بازدید دیروز: 351
    » افراد آنلاین: 1
    » بازدید کل: 19679