• التفسير التربوي لسورة الفاتحة

    التفسير التربوي لسورة الفاتحة

    قوله تعالى: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) (الفاتحة:1).

    قال الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الآية: ((إنّ الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله, وتقدّم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته, وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلمه إياه, منه لجميع خلقه سنة يستنون بها, وسبيلا يتبعونه عليها, فيه افتتاح أوائل منطقهم, وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم)).

    الابتداء ببسم الله هو الأدب التربوي الذي أدّب الله به هذه الأمة, ولذلك ندب الشرع إلى البدء بذكر الله في كل فعل وفي كل قول, وبذلك تكون أفعال المسلم وأقواله عبادة, وهذا ما يتفق مع التصور الإسلامي عن الإلهية, فالله هو الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده, فباسمه يكون كل ابتداء, وباسمه تكون كل حركة, وباسمه يكون كل قول.

    ابتدأ نزول القرآن بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1)، واسم الله يذكره المسلم عند كل فعل, كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال, فقال تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (هود:41)، وقال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (النمل:30).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أغلق بابك واذكر اسم الله, وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله, وخمِّر إناءك واذكر اسم الله, وأوك سقاءك واذكر اسم الله)) (البخاري).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله, قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا)) (البخاري).

    وقال لعمر بن أبي سلمة: ((يا غلام, سمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك)) (البخاري).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((من لم يذبح فليذبح باسم الله)) (البخاري).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله)) (ابن ماجة).

    وإذا دخل المسلم الخلاء يقول: ((بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبَث والخبائث)) (مسلم).

    وتستحب التسمية في أول الوضوء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا وضوء لمن يذكر اسم الله عليه)) (الترمذي).

    وكذلك تستحب التسمية في أول الخطبة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر ــ أو قال ــ فهو أقطع)) (أحمد).

    ومن الفوائد التربوية للبدء باسم الله أنّ هذا الأدب التربوي رادع عن المعصية في القول والعمل, إذ إنّ المسلم ليحس بالخجل من أن يبدأ فعله للمعصية باسم الله.

    وكلمة (الرحمن الرحيم) تستغرق كل معاني الرحمة ومجالاتها وحالاتها, وذكرها بعد (بسم الله) معناه: استجلاب الرحمة الإلهية في كل حركة يقوم بها المسلم وفي كل قول يقوله, إذ لولا رحمة الله بالناس ما عرفوا طريق الطاعة من طريق المعصية, و لولا رحمة الله بالناس ما عرفوا كيف يعبدونه وما استطاعوا أن يفعلوا ذلك.

    قوله تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ)) (الفاتحة: من الآية2).

    إنّ كلمة (الحمد لله) هي الشعور الذي يجيش في قلب كل مؤمن على النعم التي أنعم الله بها على عباده, والتي لا يحصيها عدد. ومعنى قوله تعالى: (الحمد لله) أي: قولوا الحمد لله, ومن هنا يجب تربية المؤمن على أن يشكر الله في كل لحظة و في كل حركة و في كل كلمة وأمام كل نعمة من نعم الله عليه, ابتداء فيما خلق الله له من عينين وأذنين ولسان وشفتين, وانتهاء بما سخر الله له من هذا الكون الفسيح الذي يعج بالنعم , ومرورا بطعامه وشرابه ونومه واستيقاظه, ففي صحيح مسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) ( مسلم ).

    والحمد لله هي كلمة كل شاكر, و إنّ آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله, وقال الله لنوح عليه السلام: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: من الآية28), وقال إبراهيم عليه السلام: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) (إبراهيم: من الآية39), وقال في قصة داود وسليمان (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (النمل: من الآية15), وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الإسراء:111)، وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) (فاطر: من الآية34)، (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس: من الآية10).

    وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم: ((أنّ عبدا من عباد الله قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك, فعضّلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها،  فصعدا إلى السماء وقالا: يا ربنا، إنّ عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله عز وجل، وهو أعلم بما قال عبدُه: ماذا قال عبدي, قالا: يا رب إنه قد قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك, فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي, حتى يلقاني فأجزيه بها)) (ابن ماجة).    

    قوله تعالى: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الفاتحة: من الآية2).

    كلمة الرب تطلق على المالك, وتطلق على المعبود, وتطلق على السيد, وتطلق على المربي. ولعل أهم ما في هذا المصطلح هو كونه مشتقا من التربية, فالرب هو المصلح والمدبر والجابر والقائم , يقال لمن قام بإصلاح شيء: قد ربّه فهو له رابّ, ومنه سُمّّي الربانيون لقيامهم بالكتب, وفي صحيح مسلم ومسند أحمد: ((هل لك عليه من نعمة تربها)) (مسلم وأحمد)، أي: تقوم بها وتصلحها , والرب: هو المربي , ومنه قولهم : ربّ ولده، أي : رباه.

    إنّ معنى قوله تعالى (رب العالمين) هو أنّ الله متصرف لتربية وإصلاح جميع الخلائق , وأنه لم يخلق هذا الكون ثم تركه هملا بل يتصرف فيه بالإصلاح والتربية والرعاية , وهذه التربية والرعاية قائمة في كل وقت وفي كل حين , وبذلك يطمئن الإنسان إلى رعاية الله الدائمة والتي لا تنقطع أبدا ولا تغيب.

    ومن رعاية الله لهذه الأمة أنه اختار لهم محمدا صلى الله عليه وسلم فأدبه ورباه وجعله قدوة للمسلمين , فقال تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث) (الضحى: 6-11)، ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أدّّبني ربي فأحسن تأديبي)) (القرطبي).

    ومن رعاية الله لهذه الأمة إنزال القرآن الذي هو كلامه، فكان دستورا لرعاية الله للمسلمين الأوائل, ومنهجا تربويا لكل المسلمين من بعدهم.

    إنّ كون كلمة الرب، وهي اسم من أسماء الله تعالى، مشتقة من التربية ذو دلالة واضحة على أهمية هذا المنهج, أي: منهج التربية, فهو الطريق الذي سلكه الأنبياء مع الأمم التي أرسلوا إليها, وهو الطريق الذي يحتاجه المسلمون في كل زمان, وخاصة في هذا الزمان, فالإسلام لا يقوم بمجرد الدعوة إليه وإقبال الناس على أساس من تلك الدعوة, لا يقوم الإسلام ما لم يتربّ الناس في مدرسة الإسلام, و ذلك بأن يعرفوا تعاليم الإسلام ويمارسوا هذه التعاليم, فالتربية تقوم على ركنين أساسيين هما: العلم والعمل, وربط العلم بالعمل هو جوهر العملية التربوية وأساسها.

    قوله تعالى: ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) (الفاتحة:3).

    الرحمن والرحيم: صيغ مبالغة مشتقة من الرحمة, وصفة (الرحمن الرحيم) تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها، والله تعالى وحده المختص باجتماع هاتين الصفتين، كما إنه المختص وحده بصفة الرحمن. وفي مجيء قوله تعالى (الرحمن الرحيم) بعد قوله تعالى (رب العالمين) نلمح أمرين تربويين: ( الأول) التأكيد على أنّ الصلة بين الخالق والمخلوق هي صلة الرحمة والرعاية, وهذه هي السمة البارزة في هذه الصلة, فالله تعالى لا يطارد عباده ولا يعاديهم ولا يدبّر لهم المكائد, وإنما هو ربٌ لهم، تعهدهم بالتربية والرعاية, وهو راحم لهم في الدنيا وفي الآخرة, قال عمر رضي الله عنه: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، تحلّب ثديها، حتى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها، فأرضعته , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترون هذه طارحة ولدها في النار؟)) قالوا: لا والله، قال: ((فالله أرحم بعباده من هذه بولدها)) (البخاري). (والثاني) إنّ وصف الله تعالى لنفسه بأنه (رب العالمين)، أي: المالك المتصرف الذي بيده كل شيء، معناه: الترهيب, وإنّ وصف الله تعالى لنفسه بأنه ( الرحمن الرحيم) معناه: الترغيب, ومن هنا نجد أنّ النص القرآني قد قرن بين الترغيب والترهيب, فجمع بين صفة الرهبة من الله وصفة الرغبة في الله , ونقف هنا عند أهم الوسائل التربوية في القرآن وهي: الترغيب، والترهيب، والجمع بينهما.

    هذه الوسائل التربوية الثلاثة نجدها في القرآن وفي مواضع كثيرة،  كما نجدها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نقل عنه من أحاديث, ومع أنّ وسائل القرآن في التربية متعددة و كثيرة، إلا أنّ هذه الوسائل الثلاثة لها مرتبة الصدارة بالنسبة لبقية الوسائل.

    ومن الأمثلة على الوسيلة الأولى وهي الترغيب قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105). ومن الأمثلة على الوسيلة الثانية وهي الترهيب قوله تعالى مخاطبا الناس: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (البقرة: 161ــ162). ومن الأمثلة على القرن بين الترغيب والترهيب قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)  (الحجر: 49-50)، وكذلك قوله تعالى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) (غافر: من الآية3)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد, ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)) (مسلم ).

    قوله تعالى: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) (الفاتحة:4).

    يوم الدين: هو يوم الحساب والجزاء والعقاب في الآخرة, ولا يكون المؤمن بالله مؤمنا حقيقة ما لم يؤمن بيوم الدين, ولهذا الإيمان بيوم الدين آثاره التربوية في شخصية الإنسان، وهذه الآثار هي:

    ( أولا) إنّ الإيمان باليوم الآخر وما فيه من العدالة الإلهية المطلقة، يبعث في نفس الإنسان الثقة والطمأنينة بأنّ عمله لن يذهب سدى, وبأنّ جهده لن يكون هباء, وبأنه ما لم يكافأ على عمله في الدنيا فإنّ المكافأة قائمة يوم القيامة, وهذا ما يدفع الإنسان إلى العمل الصالح والعمل بطاعة الله واجتناب ما نهى الله عنه، بكل جهده من غير إهمال ولا تقصير.

    (ثانيا) تعليق أنظار الناس وقلوبهم بيوم الدين، يدفع الناس إلى التضحية بكل ما يملكون وبأعز ما يملكون لإقامة الحق والعدل, وللاستقامة على المنهاج الصحيح، لأنّ كل ذلك سيكون أمامهم يوم القيامة.

    (ثالثا) لا تستقيم الحياة البشرية ولا تقوم حياة تليق بالإنسان وتحقق له السعادة ما لم يكن هناك إيمان باليوم الآخر.

    (رابعا) إنّ الإيمان باليوم الآخر يحقق إنسانية الإنسان، ويجعله مستعليا على الرغبات والأهواء والشهوات, وما لم يكن هناك إيمان باليوم الآخر فلن يترفع الإنسان عن الانغماس في الحالة البهيمية المتمثلة بالاستجابة للأهواء والشهوات.

    (خامسا) الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالخلود والاستمرار في الحياة , وفي ذلك استجابة لحالة فطرية بداخل الإنسان وهي غريزة حب البقاء , التي يشعر بها كل إنسان, وهذا يجعل الإنسان مطمئنا إلى أنّ الحياة الدنيا المحدودة ما هي إلا مقدمة للحياة الحقيقية التي لا تنقطع يوم القيامة.

    (سادسا) الإيمان بيوم الدين هو مفرق الطريق بين صنفين من الناس: المؤمنون به والجاحدون له, وهما صنفان لا يستويان لا في خُلق ولا في شعور, ولا في سلوك ولا في عمل.

    قوله تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) (الفاتحة:5).

    المعنى العام للعبادة هو الطاعة والاتباع, أي: إن كل عمل يقوم به المسلم هو عبادة إذا اقترن هذا العمل بالنية ما لم يكن هذا العمل معصية, وهذا هو المفهوم الأوسع للعبادة والطاعة, أما إقامة الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج فهي معنى خاص للعبادة, حيث وردت كلمة عبادة في القرآن في مائتين وخمسة وسبعين موضعا (275), من بين هذه المواضع مائتان وسبعة وثلاثون موضعا (237) كانت العبادة فيها بالمعنى العام وهو الطاعة والاتباع, وثمانية وثلاثون موضعا (38) كانت العبادة فيها بالمعنى الخاص وهو إقامة الشعائر التعبدية.

    والسؤال: ما هي الآثار التربوية للعبادة في شخصية الإنسان؟.

    والجواب:

    (1) العبودية لله وحده تعني التحرر المطلق من كل عبودية لغير الله, وعلى هذا لا يكون  الإنسان حرا ما لم يكن عبدا لله وحده، حيث يتحرر من عبودية الأوهام والخرافات, ويتحرر من عبودية النظم والأوضاع , وفي ظل العبودية لله وحده يولد الإنسان من جديد.

    (2) مقام العبودية مقام عظيم يشرف به الإنسان, والانتساب إلى الله لا يليق إلا بالأحرار من الناس, وقد سمّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم (عبده) في أشرف مقاماته, فقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (الكهف:1)، وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) (الإسراء:1 ), فسماه عبدا عندما أنزل عليه الكتاب, وسماه عبدا عندما أسرى به, وسماه عبدا عند قيامه بالدعوة، فقال تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا) (الجـن:19). وقد أرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى القيام بالعبادة في الوقت الذي ضاق صدره من تكذيب المخالفين له، فقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 97-99).

    (3) العبادة بمعناه العام تشمل الحياة، وهذا يعني أنّ الصلة بين الإنسان وبين الله هي صلة دائمة من خلال العبادة, وهذه الصلة تدفع القلب البشري إلى الرجوع إلى الله في كل لحظة, وإلى استشارة تعاليمه في كل أمر, وهذه الصلة الدائمة بين الإنسان وبين الله هي أساس التربية الإسلامية.

    (4) العبادة تحمل صاحبها على الاستمرار في مراقبة الله واستشعار عظمته في كل عمل, وهذه المراقبة تدفع الإنسان إلى العمل الدائم والمستمر, وإلى إتقان العمل للفوز بمرضاة الله.

    (5) العبادة تنشئ الإنسان المستقيم بتطبيقه لتعاليم الله, والمتوازن الذي يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته, والذي يلبي حاجاته الجسدية كما يلبي حاجاته الروحية.

    (6) العبادة تربط القلب البشري بالله, وهذا هو مفرق الطريق بين المنهج التربوي الإسلامي وبين غيره من المناهج التربوية البشرية, التي تربط القلب البشري ببقعة من الأرض أو بفرد معين من الناس أو بأسطورة من الأساطير, وهذا الرابط يصبغ عمل الإنسان وفكره وشعوره بصبغة معينة.

    (7) العبادة تربي الإنسان على القوة، وعلى مقاومة الضعف البشري المتمثل بالأهواء البشرية التي خلقها الله في الإنسان, قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا) (النساء: من الآية28), فالعبادة تعطي الإنسان قوة الضبط والاعتدال في مواجهة ما يجول بداخله من الأهواء والشهوات, إنها قوة التسامي على هذه الأهواء.

    (8) العبادة تزكي النفس البشرية وتطهرها وتشذبها, وما لم يحصل ذلك فإنّ الهدف من العبادة لم يتحقق, فإذا زكت النفس وسمت وتطهرت فاضت بالخير والبذل والتضحية على من حولها، وهذا هو الأثر الاجتماعي للعبادة.

    (9) تصدر العبادة عن العقيدة, وهي دليل على صدق الإيمان بهذه العقيدة, ومن ثم فالعبادة هي الجانب العملي للعقيدة, والعبادة بدورها تثبت العقيدة وتقويها وتوطد أسسها.

    (10) ومن أخطر ما ابتليت به الأمة المسلمة ذلك الفصل بين العقيدة والعبادة, وكذلك الفصل بين العبادة وآثارها التربوية والاجتماعية، حيث تحولت العبادة إلى مجرد تجارة يكون هم العابد فيها الحصول على الحسنات، دون تطبيق للمضامين التربوية والاجتماعية لهذه العبادة.

    (11) إنّ معنى قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) هو لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك, (إياك نعبد) تبرؤ من الشرك, (وإياك نستعين) تبرؤ من الحول والقوة, والتفويض إلى الله تعالى, وهذا المعنى موجود في أكثر من آية من آيات القرآن، كقوله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود: من الآية123)، وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) (الملك: من الآية29)، وقوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) (المزمل:9). فالعبادة غاية والاستعانة وسيلة, والوسائل لها حكم المقاصد في الإسلام, والغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام.

    قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) (الفاتحة:6ــ7).

    معنى هذه الآيات: وفقنا يا الله إلى الطريق المستقيم, طريق الذي أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهو غير طريق المغضوب عليهم: الذين عرفوا الحق وحادوا عنه, وغير طريق الضالين: الذين لم يعرفوا الحق فهم هائمون في الضلالة.

    ولنا مع الدعاء الوقفات التربوية التالية:

    (1) هذا الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم) هو أول مظاهر العبودية نزولا, إذ إنّ سورة الفاتحة هي ثالث سور القرآن نزولا, ولم ينزل قبلها إلا أوائل سورة العلق وأوائل سورة المدثر. كما إنّ قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) جاء مباشرة بعد قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) ليكون الدعاء هو الترجمة العملية الأولى للعبادة . كما إنّ الدعاء بالتوفيق والتثبيت على طريق الإيمان والإسلام كأول دعاء في الإسلام له دلالة على أهمية هذا الدعاء دون غيره من الأدعية, وعلى أنّ حاجة المؤمن إلى الله حاجة مستمرة كي يثبته على إيمانه.

    (2) الدعاء يعني الحاجة إلى الله ومن ثم اللجوء إليه, والناس محتاجون إلى الله لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15)، والمؤمن يلجأ إلى الله دائما وفي كل حين وعلى كل حال, وغير المؤمن يلجأ إلى الله مضطرا ومن ثم يعرض بعد أن ينجو ضُر مسّه , قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ) (يونس: من الآية12)، وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورا) ( الإسراء:67).

    (3) الدعاء هو العبادة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو تعبير عن العبودية وترجمة عملية للإيمان, فالمؤمن حينما يلجأ إلى الله بالدعاء فهو يعبر عن عبوديته لله, ومن هنا فالدعاء في الإسلام واجب لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين) (غافر:60)، ولقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

    (4) والدعاء سبيل إلى القوة الحقيقية, لأن المؤمن يدعو الله جل جلاله ليكون له سندا ومعينا وحافظا, ومن كان الله له سندا ومعينا وحافظا فهو حسبه وهو كافيه, ومن هنا نجد أنّ المؤمن لا يقف وحده, ولا يحس بالضياع والقلق والاضطراب والفراغ كما هو الحال في المجتمعات الملحدة, التي وكلها الله إلى نفسها, فكثرت فيها الأمراض النفسية والعقلية وتفشى فيها الانتحار خروجا من اليأس والقنوط والفراغ الروحي, ولذلك كان من دعاء المسلمين ((اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين)).

    (5) وفي الدعاء تذكير للنفس بحاجتها إلى الله وفقرها إليه، ومن ثم كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها دعاء, الدعاء في كل حركة والدعاء في كل عمل, وقد أحصت كتب الأذكار أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن راجعها وجدها شاملة لأعمال اليوم والليلة. وفي الدعاء ضمان للنفس من الغفلة والنسيان والطغيان والاعتداء، ففي غفلة للنفس عن حقيقة عبوديتها لله قد تقدم على الطغيان والتجاوز.

    (6) وبناء على ما تقدم من الكلام نقول: ليس الدعاء مجرد كلمات ومراسم وطقوس يؤديها المؤمن, بل يجب عليه استحضار القلب أثناء الدعاء, ولابد له من التفكر في كل كلمة يقولها, وفي كل جملة يلفظها, لابد له من استحضار القلب والتنبه واليقظة أثناء الدعاء, حتى يكون للدعاء ذلك الأثر التربوي المنشود في شخصية المسلم, وفي سلوكه وحركته وأقواله وأفعاله, وفي هذه الحالة فقط يمكننا أن نربي المسلمين بالدعاء .

    الوجه التربوي لتكرار سورة الفاتحة في الصلاة.

    يكرر المسلم هذه السورة سبع عشرة مرة في اليوم الواحد إذا هو صلى الفرائض فقط، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (البخاري ومسلم), وضعف ذلك إذا هو صلى السنن, وأضعاف ذلك إذا هو أراد أن يتنفّل في صلاته, فما هي الحكمة التربوية لظاهرة التكرار؟.

    التكرار وسيلة تعليمية وتربوية في نفس الوقت, لأنّ الغاية الأساسية من التعليم في الإسلام هي التربية, ولا فائدة من علم ليس له انعكاس في سلوك الإنسان وشخصيته, وعندما يوجب الإسلام على أتباعه تكرار نصوص معينة في كل يوم فمراده من ذلك أن تترسخ مفاهيم هذه النصوص في عقولهم وقلوبهم, وأن تنعكس هذه المفاهيم في سلوكهم وحركاتهم وأفعالهم, ومن خلال التكرار يحصل التنبه واليقظة إلى حقائق النصوص المكررة وأهدافها وغاياتها, وبالتالي تتمثل هذه الحقائق في شخصيته تمثلا دائما ومستمرا.

    وقد احتوت سورة الفاتحة الحقائق التالية:

    احتوت على حمد الله والإقرار له بالربوبية المطلقة بقوله: (الحمد لله رب العالمين)، والثناء عليه ووصفه بصفة الرحمة التي تفرد بها بقوله: ( الرحمن الرحيم)، وتمجيد الله والإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب بقوله: (مالك يوم الدين)، والتبرؤ من الشرك وتخصيص الله تعالى بالإلهية بقوله: (إياك نعبد)، والتبرؤ من الحول والقوة والطول وتخصيص الله تعالى بالمعونة والمساعدة بقوله: (وإياك نستعين)، وسؤال الهداية والتوفيق إلى الدين القويم , وسؤال التثبيت على هذا الدين بقوله (اهدنا الصراط المستقيم)، كما تضمنت الطلب من الله أن يجمعنا في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)، كما اشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة, والتحذير من مسالك أهل الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها بقوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وهذه الحقائق وإن كانت موجودة في غيرها من السور إلا أنها ليست موجودة بهذا العدد القليل من الأسطر وبهذا الحجم القليل من الجمل والكلمات, وهذه هي الميزة التي اختصت بها سورة الفاتحة دون غيرها من السور, ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل, فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي, وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي, فإذا قال: (مالك يوم الدين) قال الله: مجدني عبدي, فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل, فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) ( مسلم وأبو داود).

    الإسلامالقرآن والتفسير

    IslamQT.Com

    ==============

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 94
    » بازدید دیروز: 351
    » افراد آنلاین: 1
    » بازدید کل: 19674