• أحكام الطلاق من خلال سورة الطلاق

    أحكام الطلاق من خلال سورة الطلاق

    في مستهل سورة الطلاق ينادي المولى جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم فهو الهادي البشير وهو المعلم لأمته ما يصلحهم في دينهم ودنياهم.

    ومع هذا النداء توجيهٌ حكيمٌ بشأن الطلاق ومراعاة ما يتعلق به من أحكام وآداب ، حتى يسدل الستار على هذه الحياة وتنطوي تلك الصفحة وتنفصم تلك العروةُ بهدوءٍ وسلامٍ ، وعدلٍ وإنصاف ، ورفقٍ وإلطاف .

    فالطلاق أبغض الحلال عند الله ، وهو لبعض الحالات دواءٌ مرٌّ لا مفرَّ منه وعلاجٌ مؤلمٌ لا مندوحةَ عنه ، حين يسود النفور ويحتدم الخلاف وتستحيل العشرة وتخفق المساعي بين الزوجين .

    والطلاق مرُّ المذاق ، والإسلام يهدف إلى إقامته على ميزان دقيق حساس ، لسانه العدل وراحَتاهُ الإحسان ، وحتى يتحقق ذلك لا بد من اتباع المنهج الشرعي .

    وقد اشتملت سورة الطلاق على كثيرٍ من معالم هذا المنهج كما سيأتي بيانه إن شاء الله .

    قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)

    (
    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ) النداء للنبي صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولأمته ، وخُصَّ هو بالنداء صلى الله عليه وسلم تعظيماً له .

    قال القرطبي: الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجماعة ( طَلَّقْتُمُ ) تعظيماً وتفخيماً ، والمعنى: يا أيها النبي ويا أيها المؤمنون إِذا أردتم تطليق النساء (1).

    وقال الزمخشري : " ... لأن النبي إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كذا وكذا ، إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه ..." (2)

    (
    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه ، فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي: فطلقوهن مستقبلاتٍ لعدتهن ، وذلك في الطهر، ولا تطلقوهن في الحيض ، قال مجاهد: أي طاهراً من غير جماع لقوله صلى الله عليه وسلم: " ... لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " (3)

    وقال الخازن : "أي لزمان عدتهن وهو الطهر لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها ، وتحصل في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة" (4)

    وإِنما نُهي عن طلاق المرأة وقت الحيض لئلا تطول عليها العدةُ فتتضرر؛ ولأن حالة الحيض قد تكون سببا في نفور الزوج ، فيتسرع في طلاقها بخلاف ما إِذا كانت طاهراً ، ولعل الزوج إذا تمهل حتى يتحرَّى السنة في تطليق زوجته فلربَّما تنقشعُ سحابةُ الهجر والخصام ، وتشرق شمسُ الصفا والوئام .

    قال تعالى: (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) أي: اضبِطُوها وأكملوها ثلاثةَ أقراءٍ كاملة ؛ لئلا تختلط الأنساب .

    والخطاب للأزواج ، وقيل : للزوجات ، فضبط العدة مسئوليةٌ مشتركةٌ بين الزوج والزوجة ، لما يترتب عليها من أحكامٍ تتعلق بهما .

    (
    وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ )أي: خافوا الله ربَّ العالمين، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه .

    وفي الجمع بين لفظ الجلالة ووصفِهِ تعالَى بربوبيتِهِ لهم : تأكيدٌ للأمر ومبالغةٌ في إيجابِ الاتقاءِ وإشعارٌ بالهيبة والإجلال والعظمة والإحسان .

    (
    لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) أي: لا تخرجوهن من مساكنهن ، بعد فراقكم لهن إِلى أن تنقضي عدتهن .

    (
    وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي: ولا يخرجن من البيوت حتى تنقضي عدتهن ، إلا إذا قارفت المطلقةُ عملاً قبيحاً كالزنا فتخرج لإِقامة الحد عليها ، نهى الله سبحانه وتعالى أن يُخرج الرجلُ المرأةَ المطلَّقةَ من المسكن الذي طلقها فيه ، ونهاها هي أن تخرج باختيارها ، فلا يجوز لها المبيتُ خارجاً عن بيتها ، ولا أن تغيب عنه نهاراً إِلا لضرورة ، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة ، أما الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إِنها الزنا فتخرج لإِقامة الحد عليها ، وقيل: إِنه سوء الكلام مع الأصهار وبذاءة اللسان، فتخرج ويسقط حقها من السكنى .

    قال ابن عباس : الفاحشة المبينة بذاءتها على أهل زوجها فيحلُّ إخراجها لسوء خلقها (5).

    قال الإمام الطبري : " والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية، وذلك أن الفاحشة هي كلّ أمر قبيح تعدّى فيه حدّه، فالزنى من ذلك، والسرق والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأي ذلك فعلت وهي في عدتها، فلزوجها إخراجها من بيتها ذلك، لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها"(6).

    وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي ، وبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في مدّة العدّة (7).

    ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض عدتها ، فإن خرجت لغير ضرورة أثمت ، فإن وقعت ضرورة بأن خافت هدماً أو غرقاً جاز لها أن تخرج إلى منزل آخر ، وكذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل أو شراء قطن جاز لها الخروج نهاراً ولا يجوز ليلاً ، يدل على ذلك أن رجالاً استُشْهِدوا بأحد ، فقالت نساؤهم نستوحشُ في بيوتِنا ، فأذنَ لهنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدثنَ عند إحداهنَّ ، فإذا كان وقتُ النومِ تأوي كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها (8).

    وأذن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لخالة جابر وقد كان طلقها زوجُها أن تخرج لجذاذ نخلها : فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ رضي الله عنه قال : طُلِّقَتْ خَالَتِي ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا ، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَتَتِ النَّّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : " بَلَىَ فَجُدِّي نَخْلَكِ ، فَإِنّكِ عَسَىَ أَنْ تَصَدّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفاً" (9).

    قال صاحب الظلال : والحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة ، واستثارة عواطف المودة ، وذكريات الحياة المشتركة ، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين؛ فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين! فأما حين ترتكس في حمأة الزنا وهي في بيته! أو تؤذي أهله ، أو تنشز عليه ، فلا محل لاستحياء المشاعر الطيبة ، واستجاشة المودة الدفينة ، ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة ، فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها! "(10).

    (
    وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: وهذه الأحكام هي شرائع الله ومحارمه: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) أي: ومن يخرج عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إِلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب، وأضرَّ بها حيث فوَّت على نفسه إِمكان إِرجاع زوجته إِليه ، وأضرَّ بها وأخلَّ ببعض حقوقها.

    وفي هذا تشديدٌ لكل من يتعدى حدود الله تعالى التي حدَّها في أمر الطلاق، من ذلك طلاق المرأة في حيضها أو في طهر جامعها فيه ، و إخراجها من بيتها بغير حقٍّ وفي غير ذلك من المخالفات التي نهت عنها الشريعة ، فتلك حدود الله لا يتجاوزها ولا يتعداها إلا من ظلم نفسه فعرَّضها لسخط الله تعالى وأوردها موارد الهلاك.

    أما من يقيم حدود الله ويمتثل لأوامر الله ويجتنب ما نهى عنه فإنه يتعرض لرحمة الله ويحظى بلطف الله وينال ثمرة تقواه واستقامته.

    (
    لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا): لعلَّ الله يحدث في قلبه ما يغيرُ حاله ، ويرغِّبُهُ في إبقاء زوجته وتقرُّ عينه بها ، ويصلح الله بالها ، ولعلَّ اجتماعهما تحت سقف واحد يؤلف القلبين وقد قيل :

    وأقربُ ما يكونُ الشوقُ يومًا إذا دنتِ الخيامُ من الخيامِ



    فالأمر الذي يحدثه الله : أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ؛ فيراجعها ، وتهبُّ نسائم الموّدة من جديد ، وترجع طيور الحب للتغريد في هذا البيت السعيد .

    تعالُوا بنا حتى نعودَ كما كنَّا فما عهدُنا خنتُم ولا عهدُكُم خُنَّا

     

    ونطوِي بِساطَ العُتْبِ والهَجْرِ والجَفَا ونَرْمِي الأَسَى والبينَ ليتَ الأسى يفْنَى

     

    عسى أنْ يعودَ الشملُ والحالُ مثلَما عَهِدْنَا وعودُ الوصلِ أثمارُهُ تُجْنَى

     

    ويُنْشِدُ حادِي الحيِّ عنَّا مُتَرْجِمًا ألا لا أعادَ اللهُ بيتًا نَأَى عنَّا

     

    أأحبابَنَا طيبوا فلم يكُ ما مَضَى سُوَى حُلُمٍ كاللفظِ ليس له معنى

     

    فلا طالَ هجَّانٌ ولا ثَمَّ عاذل ٌ ولا سَهَرَ المشتاقُ ليلا وقد حنَّا

     

    ولا كان ما قلتُم ولا كان ما قلنا ولا بنتمُوا عنا ولا عَنْكُمُو بِنَّا



    قال تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).

    هذه حدودُه تعالى التي حدَّها لعباده رعايةً لحقوقهم وتحقيقا لمصالحهم ، ومن تجاوز هذه الحدود وتعداها فقد ظلم نفسه قبل أن يوقع الظلم بغيره.

    قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)

    قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: فإِذا شارفت المطلقة المعتدة على انقضاء عدتها وقاربت ذلك فالخيار للزوج فيها إن شاء أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بإحسان فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي: فراجعوهنَّ إِلى عصمة النكاح مع الإِحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتُهن فيملكن أنفسهن.

    والإِمساك بالمعروف هو إِحسان العشرة وتوفيةُ النفقة ، من غير قصد المضارة في الرجعة لتطول عليها العدة ، والفراق بالمعروف هو أداء الصَّداق ، والمتعة عند الطلاق ، والوفاء بالشروط مع توفية جميع حقوقها .

    (
    وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي: وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة ، شخصين من أهل العدالة والاستقامة ممن تثقون في دينهما وأمانتهما ، والإشهاد ليس شرطا لصحة الفراق أو الرجعة بل هو مندوب ؛ " احْتِيَاطًا لَهُمَا وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُمَا إذَا عُلِمَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُعْلَمْ الرَّجْعَةُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ ، فَلَا يُؤْمَنُ التجاحد بَيْنَهُمَا(11).

    قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) أي: اشهدوا بالحق دون تحيُّز لأحد ، مبتغين بذلك وجه الله تعالى: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) أي: هذا الذي مرَّ من الأحكام ، إِنما ينتفع ويتعظ به المؤمن الذي يخشى الله ، ويخاف الحساب والعقاب في الدار الآخرة .

    قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2] حضَّ على التقوى في سائر الأحوالِ ، ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق ، والمعنى ومن يتق الله فيطلق للسنة ولم يضارّ المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد: (يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) من الهموم والكروب والكُربِ والمِحَن.

    قال الإمام البيضاوي : "وعدٌ لعامة المتقين بالخلاص من مضارِّ الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون" (12) .

    قال صاحب «الظلال» : " (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2، 3 ] مخرجاً من الضيق في الدنيا والآخرة ، ورزقاً من حيث لا يقدر ولا ينتظر ، وهو تقرير عام ، وحقيقة دائمة ، ولكن إلصاقها هنا بأحكام الطلاق يوحي بدقة انطباقها وتحققها عندما يتقي المتقون ربَّهم في هذا الشأن بصفة خاصة ، وهو الشأن الذي لا ضابط فيه أحس ولا أدق من ضابط الشعور والضمير ، فالتلاعب فيه مجاله واسع ، لا يقف دونه إلا تقوى الله وحساسية الضمير "(13).

    (
    وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: ٣].

    (
    وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ): بعد انتهاء المحنة وانجلاء البلاء تأتي المنح والهبات والعِوَض والأعطيات، ويرزق العبد من حيث لا يحتسب.

    (
    وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ): من فوَّض إِليه أمره كفاه ما أهمَّه ، والأخذُ بالأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به ولكنْ لا يعتمد على تلك الأسباب ويدع التوكل فالله تعالى حسبه وكافيه.

    وفي هذا حض على التوكل وتأكيدٌ له ، لأن العبد إِذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله، توكَّل على الله وحده ولم يعوِّل على سواه.

    (
    إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي: قد جعل الله لكلِّ أمرٍ من الأمور، مقداراً معلوماً وميقاتاً لا يتعداه.

    قال القرطبي: " أي جعل لكلِّ شيءٍ من الشدة والرجاء أجلاً ينتهي إِليه " (14).

    وفي الآية : بيانٌ لوجوبِ التوكلِ عليهِ تعالَى، وتفويضُ الأمرِ إليهِ لأنَّه إذا علمَ أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزقِ وغيرِه لا يكونُ إلا بتقديرِه تعالَى لا يبقى إلا التسليمُ للقدرِ والتوكلُ على الله تعالى.

    قال صاحب «الظلال»: "(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) فمجال الكيد في هذه العلاقة واسع ، ومسالكه كثيرة ، وقد تؤدي محاولة اتقاء الكيد إلى الكيد! فهنا إيحاء بترك هذه المحاولة ، والتوكل على الله ، وهو كافٍ لمن يتوكل عليه .

    فالله بالغ أمره . فما قدر وقع ، وما شاء كان؛ فالتوكل عليه توكل على قدرة القادر ، وقوة القاهر ، الفعال لما يريد ، البالغ ما يشاء (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا): فكل شيء مقدر بمقداره ، وبزمانه ، وبمكانه ، وبملابساته ، وبنتائجه وأسبابه .

    وليس شيء مصادفة ، وليس شيء جزافاً ، في هذا الكون كله ، وفي نفس الإنسان وحياته . . وهي حقيقة ضخمة يقوم عليها جانب كبير من التصور الإيماني، وذكر هذه الحقيقة الكلية هنا يربط بها ما قدره الله عن الطلاق وفترته ، والعدة ووقتها ، والشهادة وإقامتها، ويطبع هذه الأحكام بطابع السنة الإلهية النافذة ، والناموس الكلي العام . ويوقع في الحس أن الأمر جد من جد النظام الكوني المقدر في كل خلق الله " (15).
    الإسلامالقرآن والتفسير

    IslamQT.Com


    -------------------
    الهوامش
    (1) -
    الجامع لأحكام القرآن للقرطبي [18/184].
    (2) -
    الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري [4/117].
    (3) -
    رواه البخاري في: «صحيحه» كتاب التفسير، بَاب: تفسير سورة الطلاق، الحديث رقم: 4652 والبيهقي في: «السنن الكبرى» 7/32.
    (4) - «
    لباب التأويل فى معاني التنزيل» للإمام الخازن: [ 6/ 117].
    (5) -
    يراجع : معالم التنزيل للإمام البغوي: [8 /150].
    (6) -
    جامع البيان للإمام الطبري: [23 / 440].
    (7) -
    لباب التأويل فى معاني التنزيل للإمام الخازن: [6 / 118]
    (8) -
    رواه البيهقي في: «السنن الكبرى»: [7/436]، ورواه عبد الرزاق في: «المصنف»: [7 / 32] حديث (12068).
    (9) -
    رواه مسلم في: «صحيحه» كتاب الطلاق، باب جواز خروج المعتدة البائن، والمتوفى عنها زوجها، في النهار، لحاجتها: [2/ 1121] حديث: (55)، (1483) ورواه أبو داود في: «السنن» أبواب الطلاق، باب في المبتوتة تخرج بالنهار [2/156] الحديث رقم: (2297)، ورواه النسائي في «السنن»، 27 كتـاب الطـلاق. (1768) باب خروج المتوفى عنها بالنهار [6/151] الحديث رقم (3550)، وابن ماجة في: «السنن» كتاب الطلاق باب هل تخرج المرأة في عدتها [3/221] الحديث رقم: (2034).
    (10) -
    في: «ظلال القرآن»: [6/ 3605].
    (11) -
    أحكام القرآن للجصاص: [5/ 350].
    (12) - «
    أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للإمام البيضاوي: [3/415].
    (13) -
    في: «ظلال القرآن»: [6/3608].
    (14) - «
    الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي: [18/161].
    (15) -
    في: «ظلال القرآن»: [6/3610].

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 90
    » بازدید دیروز: 336
    » افراد آنلاین: 2
    » بازدید کل: 2749