• حديث القرآن عن القرآن (15)

    حديث القرآن عن القرآن (15)

     

    ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿100﴾ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿101﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿102﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [أل عمران : 100 ـ103]

    ولنا عند دلالة هذه الآيات من سورة أل عمران وقفات :

    الأولى : دلالة هذا النداء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ﴾ وما يقتضيه من حسن استجابة وعمل بمقتضاه . فإن من مقتضيات الإيمان حسن الاستجابة لله وللرسول فيما يُدعَى إليه أهل الإيمان من فعلٍ أو ترك . فإن في الاستجابة حياة أيّ حياة . وفي الإعراض فتنة لا تخص الظالمين وحدهم ، بل تعم ، مصداقا لقول الله تعالى

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿24 ﴾ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾[الأنفال : 24ـ25]

    إن الأمة الإسلامية في مجموعها جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر ، وهذه الأمة لا يحفظ كيانها إلا حسن استجابتها لله وللرسول في كل شأن من شئونها ، وقيامها بما أوجب الله عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة إلى الخيرات . فإن هى قصّرت أو أعرضت حوسبت وعوقبت ، فإن سنن الله لا تجامل ولا تحابي ولا تتحول ولا تتبدل .

    وقد جعل الله حياتها بوصفها أمة مرهونة بحسن استجابتها لنداء ربها وعملها بمقتضى إيمانها . فإن هى استجابت لنداء الإيمان حفظت نفسها وأدّت رسالتها وظفرت بعزتها ونصر ربها . وإن تراخت نالها ما ينال غيرها دون تعلق بالأماني أو ركون إلى المغفرة .

    وهذا النداء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ﴾ له دلالته في وحدة المؤمنين وترابطهم وتعاونهم في تحقيق مقتضيات الإيمان ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:71]

    وهذا وعد الله لهم بحسن المثوبة والجزاء والله لا يخلف وعده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:72 ]

    إن أيّ تراخ في تحقيق مقتضيات الإيمان أو استخفاف بها أو إعراض عنها يودي بالأمة ويوقعها في الاضطراب والإحباط ، فإن هى تمادت أخذت بذنبها ويستخلف الله قوما آخرين لينظر ما يعملون .

    ومن الفهم الخاطئ ، بل من الخطيئة أن يُتَصور أن كل إنسان في محيط الأمة الإسلامية من حقّه أن يفعل ما يشاء دون التزام بمعالم أو حدود . فإن ذلك قد يودي بالأمة كلها ما لم يؤخذ على يد المفسد أو الضال . فقد شبه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرنا نحن المسلمين حيث كنا كالراكبين في سفينة واحدة ليس من حق أحد فيها أن يقول هذا نصيبي أفعل فيه ما أشاء ؛ فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه البخاري عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ :« مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرُّوا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». وما الخرق الذي أشير إليه إلا الذنوب والآثام والمعاصي التي يترك أصحابها دون رادع من منكر لها أو مؤاخذٍ عليها . وقد روى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لَتَدْعُنَّه فلا يستجاب لكم »

    تلك مقتضيات الإيمان وما يوحي به هذا النداء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » وفي رواية « وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل »

     

    الوقفة الثانية : عند قوله ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ ﴾ [آل عمران:100] وقد جاء التكليف أو التحذير في هذه الآية في أسلوب الشرط والجزاء لتعرف النتائج وتدرك العواقب . ﴿ إِنْ تُطِيعُوا . . يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ وتلك هى الغاية عند القوم ومن يتوهم غير ذلك فقد ضل سواء السبيل .

    ولئن كان للآية سبب خاص فإن العبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

    والسبب حين يذكر يعين على حسن فهم وتدبر ويشير إلى أصل الداء والخطر .

    ومما جاء في سبب نزول هذه الآية أن شاس بن قيس اليهودي ـ وكان عظيم الكفر ـ قد مر بنفر من الأوس والخزرج ـ وهم في مجلس يتحدثون فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، وقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد . والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار . فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث ـ وكان يوم بُعاث يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج قبل مبعثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة وخرجوا إليها ، فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج إليهم فيمن معه ، من المهاجرين حتى جاءهم ، فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع عنكم إصْرَ الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟ اللهَ الله َ . فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبَكَوْا واعتنق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سامعين مطيعين . قال جابر : فما رأيت يوما أقبح اولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم فأنزل الله ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . ذاك ما ذكر من سبب وهو يعين على حسن فهم وتدبر .

    فكيف خرج المسلمون آنذاك من فتنة عدوهم وسلموا من كيده . إن ذلك ما بينته الآيات في أسلوب أخاذ ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ ففي هذه الآيات دعوة إلى الاعتصام بالكتاب والتمسك بالسنة

    ﴿ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ فإن في ذلك عصمة من التفرق والتنازع والمطاوعة للهوى والباطل .

    إن لأهل الباطل وسائلهم في صرف الناس عن الحق وإبعادهم عنه .

    ومن الناس ناس تستخفهم وسائل اهل الشر وتسهل مطاوعتهم للباطل وتستحوذ عليهم الشياطين فيُرّدُّ أحدهم إلى الكفر بعد إيمان ويشاقُّ الرسول بعد بيان .

    ومن أهل الكتاب ناس تخصصوا في ترويض المسلمين وردّهم عن دينهم وإفساد ذات بينهم . ولا سلامة من وسائل هؤلاء إلا بصدق اعتصام وحسن اتباع . والكتاب يتلى علينا والسنة قائمة فينا ويكون الأمر بالغ العجب إذا رأيت من يشكو الظمأ والماءُ محمولٌ على ظهره أو يقع في الحيرة ومعه التبصرة ، أو يُردُّ على عقبه بعد إذ هداه الله ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ إن الغاية التي يسعى العدو نحوها ، والنتيجة التي يودُّها أن يُرَدَّ المسلمون عن دينهم وأن يعودوا كافرين . ومن توهم غير ذلك أيقظته الفواجع والنكبات . وجميع ما يرى غير ذلك إن هو إلا مقدمات في العمل على إضعاف المسلمين وتمزيق صفوفهم للوصول إلى هذه الغاية وتلك النتيجة ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾

    ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة:109]

    وقد تسألنا من قبل ما السبيل إلى حماية الأمة الإسلامية من ذلك ؟ بل ما السبيل إلى تأثيرها في غيرها لا في تأثرها به ومطاوعتها له ؟

    إن ذلك لا يكون إلا بإيجاد الإنسان الصحيح في عقيدته وسلوكه وجميع أمره .

    فإن الإنسان الصحيح تصح به الأمور الفاسدة . والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة . والمنهج في إعداد الإنسان الصحيح كتاب وسنة . كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة صحيحة تتم بها الأسوة الحسنة وتصح بها القدوة .

    ومع الأخذ بالكتاب والسنة تصعب المطاوعة للباطل ويستعصي على العدو أن يميل بالمسلمين حيث يريد .

    وذلك لا يقع إلا عندما تضعف صلة المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم .

    والكتاب ما أُنزل إلا ليعمل به ويُتَّبع لتتحقق هدايته وينعم الناس بفضل الله ورحمته . ولا تفرقه في الاتباع بين قرآن وسنة . فإن التفرقة بين الكتاب والسنة ردٌّ عن الدين كله ، وتحقيق لمآرب أعداء الله الذين يسعون إلى ذلك بشتى الوسائل ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ وآيات الله ـ وهى تتلى ـ تبين للناس ما يجب أن يكونوا عليه في كل شأن وتهدي للتي هى أقوم . وسنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تُرِى الناس خُلُق القرآن في واقع حيث تكون الأسوة والقدوة بمعرفة وبصيرة ولا يكون للأهواء سبيل في تفسير أو ظن أو تخمين ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]

    ويكون الأمر بالغ العجب إذا وقعت المطاوعة من المسلمين لأعدائهم وحققوا فيهم ما يريدون من فرقة وتنازع والقرآن يتلى عليهم ورسول الله فيهم . أي كيف يوجد منكم الكفر مع وجود هذين النورين ؟ فإذا كان تدبير الأعداء داء يعمل على فرقتكم وإشاعة البغضاء بينكم ، بل على إخراجكم من دينكم وإرجاعكم إلى ظلمات جاهليتكم فإن معكم الدواء الذي يحفظكم ويعينكم على رد الكيد ودفع الشر وإحراز الفوز والنصر ، وهو من عند الله ، وما عند الله لا يطلب إلا بطاعته ، وفي بيان القرآن ما يغنيكم ويبصركم بما يجب أن تكونوا عليه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿118 ﴾ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿119 ﴾ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[أل عمران:118ـ120]

    هكذا يبين لنا القرآن الكريم ما يجب أن يكون ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ وتحقيق ذلك باتباع المنهج دون غلو أو تفريط والمنهج مسطور ومحفوظ ومن حاد عنه ضل ومن ابتغى العزة في غيره ذلّ ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

    الوقفة الثالثة : عند قوله ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾

    فإن من رحمة الله بخلقه أن هداهم إلى معرفته وجعل هدايته عصمة لهم من الضلال وسوء المصير وأمرهم أن يعتصموا بكتاب الله وأن يتمسكوا به فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم . والنور المبين . عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة . وبين لهم ما به تجتمع كلمتهم ويأتلف جمعهم . تجتمع كلمتهم ويستقيم سعيهم وتقوى مودتهم بالاعتصام بكتاب ربهم والعمل بما جاء به في أنفسهم وفي روابطهم وفي علاقتهم بغيرهم وفي كل شأن من شئونهم . ونهاهم عن التفرق وحذرهم فإن التفرق دمارٌ لأهله ومدعاة للفشل وذهاب الريح .

    والله عز وجل ـ قد أرسل الرسل وأنزل الكتاب ـ لم يترك الناس لكي يجعلوا من أهوائهم شرعا يتبع أو منهجا تجتمع عليه كلمتهم فإن الأهواء تفرق ولا تجمع ، وتفسد ولا تصلح ، ولكل شخص هواه . ولكل حزب مآربه ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [المؤمنون:71] فلابد لجمع الكلمة من شرع منزه عن الأهواء ، يحفظ الحق لجميع الخلق ، ويقيم العدل بلا تفرقه . من أجل ذلك أنزل الله هذا الكتاب وتكفل بحفظه رحمة بخلقه وهداية لهم . أنزله على خاتم الرسل ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه ، فالأسوة به استمساك بالكتاب والسنة . ومخالفته إعراض عن الذكر وانحراف عن الصراط المستقيم ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[النور:63]

    وبذا يكون المنهج قد تحدد علما وعملا ولم يترك لهوى الناس .

    وتجربة التاريخ أمام أعيننا ـ نحن المسلمين ـ ترينا أن كلمتنا لم تجتمع إلا به . ووحدتنا لم تصان إلا باتباعه . ولقد بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أمر هذه الأمة في كل زمان ومكان لا يصلح إلا بما صلح به أولها فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي » .

    ذاك ما ائتلفت به القلوب ، وتآخت به النفوس ، وعزت حين اعتزت به ، ولم تر عزّها في غيره ، وهذا ما يذكرنا به الله لنسلك الطريق القويم ، ونحذر السبل التي تفرقنا عن سبيله ، وتجعلنا شيعا وأحزابا ، يعادي بعضنا بعضا ، ويضرب بعضنا وجوه بعض. ولا بقاء لأمة مع الفرقة ولا صلاح لجمع مع التنازع ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ أل عمران : 103 ] هذا التذكير ليس لمن نزل القرآن فيهم فحسب ، بل هو لهم ولنا ولمن جاء من بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ونحن مطالبون بشكر هذه النعمة ولو كانت لأسلافنا من قبل . فكل نعمة أنعمها الله على أسلافنا من قبل لنصر دينه وإعلاء كلمته هى نعمة لنا نطالب بشكرها ؛ إذ لولا ذلك لما وصلت إلينا ونعمنا بها . وذكرها في القرآن ذكر لنا وتبصرة وشرف عظيم لا يدانيه شرف ، فمن أبي القرآن أو أعرض عن الذكر عاش في دنياه مهينا بلا شرف ، وسئل بين يدي الله عما فرط وضيع ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ﴾ ( سورة الزخرف : 44 )

    وقد بين لنا القرآن الكريم كيف نحافظ على جمع الكلمة ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق كما أمر الله ، وحفظ البيان لتكون الأجيال كلها على بصيرة من أمرها فلا تَضِلُّ أو تُضّلُّ .

    فإن أبى ناس إلا أن يسلكوا سبل الباطل ـ والله يدعوهم إلى الحق ـ فإن الله بما يعملون بصير ، والحق الذي أنزله الله وحفظه لا يُضَيَّع ، فإن للحق نورا ونارا فمن أبى النور فالنار موعده . ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ ( سورة محمد : 38 )

    ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾[الأنعام:133] . إن مصدر قوة هذه الأمة ـ وهى من الله ـ تتوقف على الاستجابة في التمسك بأسباب القوة كما أمر الله لتسلم من تدبير العدو وكيده وتحقيق مآربه وغايته . هو يريد أن يرد المسلمين بعد إيمانهم كافرين . فليكونوا في جميع أحوالهم مؤمنين صادقين موحِّدين موحَّدين . وليحذروا أسباب الفرقة والتنازع والتشاحن والتخاصم . فإنها تحقق للعدو العبث بمقدراتهم ـ وهم يتخاصمونوأن يتداعى عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتها ـ والأمر في بدايته ونهايته يتصل بالمسلمين أنفسهم لا بعدوِّهم ، فإن من سنن الله ألا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وذنوبهم أخطر عليهم من عدوهم . وما يأتيهم من شر هو من أنفسهم لا من كيد عدوهم . فليسألوا الله العون على أنفسهم كما يسألونه النصر على أعدائهم .

    فليحذروا أن يقع الشرط منهم ، فإنه فِعلهم ، فيأتي الجزاء مدمِّرا لدنياهم مُخِسرًا لأخراهم . الشرط ﴿ إِنْ تُطِيعُو ﴾ وهو مسند إليهم لا إلى غيرهم وهم الفاعلون . والجزاء ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . تلك هى غاية العدوّ . وفي سبيله يتخذ جميع الوسائل لإضعاف المسلمين وتمزيقهم للوصول إلى هذه النتيجة ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ . وياله من جزاء يحمل من العار والمذلة وسوء العاقبة ما ينفر منه كل حر تقي كريم .

    والقرآن الكريم الذي أُمِر أهل الإيمان أن يعتصموا به ولا يتفرقوا قد بيّن كل شئ . وما فُرّط فيه من شئ . بيّن للمسلمين كيف يعتصمون ويحافظون ويستمسكون ويتوحدون ولا يتفرقون . فقال الله جل شأنه في هذا الكتاب العزيز ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [أل عمران: 104] ذاك ما بينه القرآن ودعا إليه وحذر من مخالفته أو الإعراض عنه .

    وهذا ما يصون وحدة الأمة ويحفظها من الفرقة والاختلاف .

    دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تقوم به أمة راشدة تعتصم بحبل الله ولا تتفرق أمة تدرك العواقب ـ فتؤدي ما فرض الله عليها ـ ولا تأسرها الأهواء والرغائب .

    فإن من فرط فيما أمر به وضيع ما فرض عليه لقى ما لقيت الأمم التي تفرقت واختلفت من قبل ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾[أل عمران : 105] . إن الأمة لا تفلح إلا إذا ساد الخير فيها ، وكان المعروف معروفا والمنكر منكرا . وهذا واجب الأمة في المقام الأول أن ترعى هذا الحق ، وأن تصونه ، وأن يبذل في سبيله كل مرتخص وغال ، وألا تدع للشهوات والنزوات سبيل للفساد والإفساد .

    وإذا لم تفعل الأمة ذلك تكون قد رضيت لنفسها بالفرقة المذِلّة والاختلاف المشين الذي يحقق للأعداء غايتهم وينفذ كيدهم وينتهي بهم إلى أسوأ مصير﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [أل عمران : 106] عذاب وتبكيت وتأنيب على ما وقع من فرقة واختلاف من بعد ما جاءهم البينات .

    وجدير بمن عرف هذا المصير على هذا النحو ألا يكون في سعيه إمعة يطيع أهل الشر في شرِّهم دون مبالاة بعاقبة أو مصير .

    ولنذكر ما بدئت به الآيات وما تضمنه النداء في قوله ﴿ )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [أل عمران : 100]

    فذاك المصير الذي نهانا الله أن نقع فيه في قوله ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا. . . ﴾ هو مصير أهل الكتاب الذين نهى الله أن يطيعهم أهل الإيمان أو يطاوعوهم فيما يودون ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿105 ﴾ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾

    فهل من متعظ ومعتبر يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه فيرد أمة الإسلام إلى الاعتصام بحبل الله والقيام بما فرض الله من دعوة الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كما أمر الله ليتحقق لها ما ترجوه من فوز وفلاح ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .

    ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت :69].

    الإسلامالقرآن والتفسير

    IslamQT.Com  

    =============

    فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 258
    » بازدید دیروز: 422
    » افراد آنلاین: 2
    » بازدید کل: 680