• حديث القرآن عن القرآن (7)

    حديث القرآن عن القرآن (7)

    ومن حديث القرآن عن القرآن ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ * وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾ ( سورة البقرة : 97 ـ 99 )

    وسواء كان سبب نزول هذه الآيات مناظرة جرت بين اليهود ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته، أو بينهم وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في الآيات بيانا لأمور يجب أن نتدبرها، وأن ندرك منها هداية القرآن ومقاصده، وأن نعتصم به في كل شأن . من ذلك موقف اليهود من رسل الله بعامة ومن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم بخاصة . ومن المعلوم أن عداوة رسول من رسل الله هى عداوة لله وللرسل جميعا ـ ولا إيمان مع التفرقة بينهم أو تعمد الإساءة لأحد منهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ( سورة النساء : 150 ، 151 )

    وكذلك كان اليهود ولا يزالون يرون أنفسهم ولا يرون غيرهم، ويكفرون بما أنزل الله مصدقا لما معهم بغيا منهم وحسدا من عند أنفسهم .

    لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فزعموا أن جبريل عدوهم لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب . وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا . فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر، وهو ملك الرحمة ، وجبريل عندهم هو ملك العذاب ، هكذا يزعمون .

    وهم يعلمون أن الله لم يبعث نبيا قط إلا وجبريل عليه السلام وليُّه . وجبريل عليه السلام لم يكن بشرا يعمل معهم أو ضدهم، ولم يكن يتنزل إلا بأمر ربه﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾

    ( سورة مريم : 64 ) .

    ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

    ولكن القوم ـ وهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ـ ينكرون ما يعرفون، ولا يرون الفضل إلا لهم والنبوة إلا فيهم ، ولو كان ما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم . ذكر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فيما روي عنه قال : كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم، فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن ومن القرآن كيف يصدق التوراة ، فينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحدٌ أحب إلينا منك . قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : لأنك تغشانا وتأتينا . فقلت : إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق الإنجيل . ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به . قال : فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتاب هل تعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا . فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه .

    قالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت .

    قال : أما إذ نشدتنا بما نشدتنا فإنا نعلم أنه رسول الله .

    قلت: ويحكم إذاً هلكتم . قالوا : إنا لم نهلك . قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟

    قالوا : إن لنا عدوًّا من الملائكة وسلْمًا من الملائكة ، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة . قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟

    قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل . قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا . قال : قلت : وما منزلتهما عند ربهما ؟

    قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره . قال : فقلت فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما/ وما يبنغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوَّ جبرائيل. قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان .

    فقال : يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل , فقرأ علىّ ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ حتى قرأ الآيات : قال : قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر . (*)

    ذاك ما كان فلنتدبر ما أنزل من القرآن، ولنعرف مقاصده، ولنتبع هدايته . وفي حديث القرآن عن القرآن بيان لهدايته ومقاصده، ودعوة إلى حسن تدبره والاعتصام به، وهو حق يهدي إلى حق وإلى طريق مستقيم .

    ومنه نعلم أن اليهود لا يكونون إلا حيث تهوى نفوسهم، لا حيث يأمر ربهم. هكذا كانوا مع الرسل ومع خاتمهم صلى الله عليه وسلم إلا من رحم الله منهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾

    ( سورة البقرة : 87 )

    إن من اتخذ إلهه هواه يأتي بما يفضح ويُخجل ولا يستحي من قول أو فعل . إن النتيجة الحتمية لقول هؤلاء أنهم لا يؤمنون بأحدٍ من الرسل ، لأنهم جميعا قد جاءهم الروح الأمين بأمر من رب العالمين، فلم يبق لمن عاداه صلة بدين أو إيمانٌ برسول .

    الإسلامالقرآن والتفسير

    IslamQT.Com  

    =============

    فضيلة الشيخ / د.محمد الراوي

     


    بازگشت به ابتدا

    بازگشت به نتايج قبل

     

    چاپ مقاله

     
    » بازدید امروز: 250
    » بازدید دیروز: 422
    » افراد آنلاین: 1
    » بازدید کل: 672